اسماعيل بن محمد القونوي
406
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل معلقة في ظل العرش ) أي ويؤيد أيضا ما روي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما قوله وتأكل من ثمارها هذا يدل على أن الأرواح تنقل إلى جسم آخر وبواسطته استوفي اللذائذ وأنها مدبرة لذلك الجسم خلافا للفلاسفة هربا عن التناسخ والجواب أن التناسخ على تقدير عدم عودها إلى جسم نفسها الذي كانت فيه والعود حاصل في القيمة الكبرى وهذا التعلق في النشأة البرزخية كذا صرح به أكمل الدين في شرح المشارق والبعض ذهب إلى أن أرواحهم متمثلة بأمره تعالى بصور طير خضر لا أنهم في جوف طير يؤيده رواية الاقليشي أن أرواح المؤمنين طير خضر تعلق في شجر الجنة المراد بالمؤمنين الشهداء توفيقا بين الروايتين قوله في ظل العرش أي تحت العرش والمراد بالقناديل أوكارها الشريفة والقول بأن المراد أنها تتعلق بالأفلاك والكواكب فتلتذ بذلك أو تكب زيادة كمال لا يعبأ به لكونه مخالفا لقوله تعالى : يُرْزَقُونَ [ آل عمران : 169 ] ولظاهر الحديث وعلم من هذه الرواية أن النفس بعد خراب بدنها تتعلق بشيء آلة لإدراكها واستيفاء لذائذها أو تألمها فقوله ولا يتوقف إدراكه وتألمه عليه محل إشكال إلا أن يقال إن مراده من إدراكه عدم احتياجه إلى البدن الذي تعلق به في الدنيا فإن إدراكه باق مع خراب البدن ولا ينافيه أن تكون تلك الأجسام مثل طير خضر أو سود الآلات لإدراكها واللّه تعالى أعلم . قوله : ( ومن أنكر ذلك ولم ير الروح إلا ريحا وعرضا قال هم أحياء يوم القيامة وإنما وصفوا به في الحال لتحققه ودنوه أو إحياء بالذكر أو بالإيمان وفيها حث على الجهاد وترغيب في الشهادة وبعث على ازدياد الطاعة واحماد لمن يتمنى لإخوانه مثل ما أنعم عليه في النشأة البرزخية لتحصيل الاستعداد المسعد للوصول إلى مرتبة العارفين الفائزين يعني إنما يلزم التناسخ على تقدير عودها في هذه النشأة الدنيوية إلى جسم آخر غير جسم نفسها التي كانت فيه في هذه النشأة وأما التعلق الذي هو في النشأة الجنانية أو النشأة البرزخية فليس من التناسخ قال الشيخ الأكمل والتسليم أسلم لأن الروح عند أهل السنة عبارة عن جسم لطيف حاصل من بخارية الاخلاط سار في البدن سريان ماء الورد في الورد فهو أمر قائم بها فأنى يتحقق الانتقال إلى جسم آخر نعم من ذهب إلى أنها النفس الناطقة وهي مجردة أمكنه أن يقول بذلك . قوله : وإنما وصفوا به في الحال لتحققه أي إنما وصفوا بكونهم أحياء في الحال لتحقق وقوعه كأنه حاصل لهم الآن وصفهم بكونهم أحياء في الحال مستفاد من اسمية الجملة الدالة على الاستمرار المستوعب لزمان الحال فإن معنى بَلْ أَحْياءٌ [ آل عمران : 169 ] بل هم أحياء . قوله : أو أحياء بالذكر أي بذكرهم الجميل الباقي في الدنيا يذكرونهم بالخير والثناء الجميل . قوله : وإحماد لمن يتمنى لإخوانه مثل ما أنعم عليه هذا المعنى مستفاد من يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم فإنه أفاد أنهم يفرحون بحسن حال إخوانهم ومن يفرح بحسن حال أخيه فهو محمود عند الناس هو من قولك أحمدته إذا وجدته محمودا فالهمزة للوجدان والظاهر أن الإحماد هنا بمعنى الحمد المراد به المدح لأن الإحماد المستفاد من يستبشرون هو فعل اللّه تعالى فلا يناسبه حمل الهمزة على معنى الوجدان والمصادفة إلا على بعد بأن يكون المعنى وجدان لهم محمودين